صديق الحسيني القنوجي البخاري

229

فتح البيان في مقاصد القرآن

صلى اللّه عليه وآله وسلم يستعينهم في دية فهمّوا أن يقتلوه فذلك قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ الآية . عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا أي على ترك العدل فيهم لعداوتهم وكتم الشهادة وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى اعْدِلُوا أمر بالعدل في كل أحد القريب والبعيد والصديق والعدو ، وتصريح بوجوبه بعدما علم من النهي عن تركه التزاما هُوَ أي العدل المدلول عليه بقوله اعدلوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى التي أمرتم بها غير مرة أي أقرب لأن تتقوا اللّه أو لأن تتقوا النار وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 9 إلى 11 ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 10 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي وفوا بالعهود ، والعموم أولى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ هذه الجملة في محل النصب على أنها المفعول الثاني لقوله : وَعَدَ على معنى وعدهم أن لهم مغفرة أو وعدهم مغفرة ، فوقعت الجملة موقع المفرد فأغنت عنه ، وذكر الجمل والزمخشري في الآية احتمالات أخر لا نطوّل بذكرها ، وإذا وعدهم أنجز لهم الوعد فإنه تعالى لا يخلف والميعاد الأجر العظيم هو الجنة . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي ملابسوها ، والجملة مستأنفة أتى بها اسمية دالة على الثبوت والاستقرار ، ولم يؤت بها في سياق الوعيد كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد حسما لرجائهم ، وهذه الآية نص قاطع في أن الخلود في النار ليس إلا للكفار ، لأن المصاحبة تقتضي الملازمة . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ يعني بالقتل والبطش بكم ، يقال بسط إليه يده إذا بطش به ، وبسط إليه لسانه إذا شتمه ، وذكر الهم للإيذان بوقوعهما عند مزيد الحاجة إليها . فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ أي صرفهم عنكم وحال بينكم وبين ما أرادوه بكم ، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ، والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نزل منزلا فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها فعلق النبي صلى اللّه عليه وسلم سلاحه بشجرة ، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه وسلّه ثم أقبل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : من يمنعك مني ؟ قال : اللّه ، قال الأعرابي مرتين أو ثلاثا : من يمنعك مني ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : اللّه ، فشام الأعرابي السيف فدعا النبي صلى اللّه عليه وسلم أصحابه فأخبرهم بصنيع